الشيخ محمد النهاوندي

46

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

بعضكم على بعض فَأَلَّفَ اللّه سبحانه بفضله بَيْنَ قُلُوبِكُمْ المختلفة ، حيث وفّقكم للإيمان بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وهداكم إلى دين الإسلام فَأَصْبَحْتُمْ وصرتم بعد التباغض بِنِعْمَتِهِ العظيمة ، من بعثة محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وديانة الإسلام ، وألفة القلوب ، واتّحاد الكلمة إِخْواناً في الدّين ، متحابّين في اللّه ، متّفقين على الحقّ ، متزاحمين متناصحين متذلّلين بعضكم لبعض . قيل : إنّ الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأمّ واحد ، فوقعت بينهم العداوة ، وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة ، إلى أن أطفأ اللّه ذلك بالإسلام « 1 » . وعن ( المجمع ) : عن مقاتل : افتخر رجلان من الأوس والخزرج فقال الأوسيّ : منا خزيمة ، ومنا حنظلة ، ومنّا عاصم ، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتزّ عرش الرّحمن له ، ورضي اللّه بحكمه في بني قريظة ، وقال الخزرجي : منّا أربعة أحكموا القرآن : أبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد ، ومنّا سعد بن عبادة . فجرى الحديث بينهما ، فغضبا وتفاخرا وناديا ، فجاء الأوس إلى الأوسي ، والخزرج إلى الخزرجي ، ومعهم السّلاح ، فبلغ [ ذلك ] النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فركب حمارا فأتاهم ، فأنزل اللّه [ هذه ] الآيات ، فقرأها عليهم فاصطلحوا « 2 » . ثمّ بعد تذكيرهم النّعمة العظيمة الدّنيويّة ، ذكّرهم اللّه تعالى أعظم نعمه الأخروية ، بقوله : وَكُنْتُمْ في زمان كفركم مقيمين عَلى شَفا وطرف حُفْرَةٍ مملوءة مِنَ النَّارِ وفي شفير جهنّم ، حال كونكم مشرفين على الوقوع فيها بالموت فَأَنْقَذَكُمْ اللّه ونجّاكم مِنْها بسبب تأخير موتكم ، وتوفيقكم لقبول الإسلام . عن ( الكافي ) : عن الصادق عليه السّلام ، قال : « فأنقذكم منها بمحمّد صلّى اللّه عليه وآله ، هكذا واللّه نزل بها جبرئيل على محمّد صلّى اللّه عليه وآله » « 3 » . أقول : الظّاهر أنّه بيان المراد من الآية ، لا أنّ كلمة ( محمّد ) كانت جزءا منها ، والمراد من قوله : ( نزل بها جبرئيل ) أنّه أنزلها بهذا التّفسير ، لبطلان القول بالتّحريف . كَذلِكَ البيان والتّوضيح الوافي يُبَيِّنُ اللَّهُ ويوضّح لَكُمْ آياتِهِ المنزلة الدالّة على المعارف والأحكام لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ إلى ما فيه خيركم وصلاحكم ، أو المراد لكي تثبتوا على ما أنتم عليه من الإسلام ، والازدياد في كمال الإيمان وقوّة اليقين . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 104 إلى 105 ] وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 104 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 105 )

--> ( 1 ) . تفسير الرازي 8 : 164 . ( 2 ) . مجمع البيان 2 : 804 . ( 3 ) . الكافي 8 : 183 / 208 .